أيها السيد تقدم - تيسير نظمي عاد إلي ما كان مهجعه، من السيرك عاد، فوجده خاوياً علي عظام وهياكل وجماجم أسلافه، توغلت به الوحشة وعلته طبقة من الغبار والأتربة وانقطعت عنه إمدادات الماء والهواء والهاتف جاثم منذ سنين مثل بقرة هامدة وتراكمت علي الباب أوراق لمطالبات مالية وقضائية وفواتير الكهرباء والماء والهاتف التي لم يستطع الإيفاء بتسديدها بعد أن فصل من الوظيفة. لم يوفر له السيرك في الأسابيع الثلاثة الأخيرة غير الطعام وإن علي مضض، فقد جاء المشاركون بما ملكوا وانفضوا بما غنموا أما المروضون فقد انفضوا بصمت عن المهرجان وانسلوا يغمرهم شعور خفي بنجاحهم في لعبة التهدئة للنمر الجائع. قال له أحد إداريي السيرك: علي هذا النحو بإمكانك أن تحضر المهرجان كل عام، دون أن ينتبه القائل أن الدعوة عامة في لعبة الكلمات وأن الدخول ليس مجانياً لحفلات الأعراس ونجوم الطرب والمشاهير وأن النمر أساساً غير مهتم بالغناء والمشاهير لأنه نمر أطرش أحياناً ولا يسمع سوي استغاثات بني جنسه في الغابة أو في الأقفاص. نمر ثقافي يتضور جوعاً لأولئك الذين أجهزوا علي عالمه بأقلامهم وسواطيرهم وتذاكر سفرهم والكتب الأنيقة التي كانت شجراً يمنحه الأوكسجين الكافي، هكذا انشغل النمر بالطعام طيلة ثمانية عشر يوماً صاماً أذنيه عما يسمع عاشقاً لما يفكر أو لما يري أو يتخيل. كانت مجرد لعبة بالنسبة له مسلية تدمغ الوقت بالموسيقي أحياناً وبالخيالات في كثير من الأحيان فقد جيء إلي السيرك بمن يمكنهم التعايش معه من النمور القابلة للتدجين بل ببعض النمور الحقيقية كي يستشعر الألفة والتقارب بحيث بات يعول عليه أن يكون صالحاً للاستخدام في السنة القادمة في المهرجان المقبل في اللعبة ذاتها أو هكذا خيل إليه والآن هاهنا بين عظام أسلافه حيث عاد يتضور جوعاً والأبواب مغلقة تضيء عزلته لأول مرة حين يكتشف أنه منذ سنوات ثلاث لم يكن سوي في القفص الذي سمي بيتاً وأنه لم يكن طوال السنين الماضية سوي سجين مطلوب منه الإيفاء للدولة وللقانون ومؤسسات المجتمع المدني والقطاع الخاص بأجور نفقات سجنه الأبدي مقابل لا شيء. النمر المتضور جوعاً بماذا يفتك الآن، بعد دقائق، بعد ثوان ربما؟ خرج من القفص إذن للسيرك تحت وهم أنه يغادر منزله اطمأن مدير السيرك ولجنة المهرجان إلي أنه سيعود باختياره إلي القفص، يا لها من حديقة حيوان نموذجية تلك التي لا يتدخل بها الأمن وتتجول بها النمور الجائعة وهي تعرف مساراتها بعد طول تدريب ومسايسة إنها الديمقراطية فعلاً أن يكون الجوع الحقيقي فيها مجرد وجهة نظر وأن تكون وجهة النظر فيها وجبة طعام وبضع كوبونات قهوة وشاي إنها السياحة حقاً أن يري زوار الحديقة في الصيف أسوداً ونموراً وفهوداً قد أصبحت أليفة وداجنة تستمع للشعر والموسيقي والغناء وتعرب عن مشكلاتها وراء الميكروفونات. يغادر السواح مادحين حسن الضيافة والكياسة وسوف يتحدثون طبعاً أن الحدائق آمنة ومستقرة وقابلة للاستثمار المحلي والأجنبي، سوف تهل الأرزاق إذن والدولارات لأننا حولنا المواطن إلي كائنات أليفة كالقطط والكلاب الضالة بالفن والثقافة والموسيقي. لن تحدث مظاهرات من أي نوع في المستقبل بعد أن تم التعرف علي الداء، علي المواطن أن يشبع شعراً ونثراً وموسيقي وغناء لينام، أما إذا كان طفلاً فلينتظر مهرجان الطفل وبرلمان الطفل وإذا كانت امرأة عليها انتظار يوم المرأة العالمي، المهرجانات ومن ثم المهرجانات والندوات والمحاضرات بل والمؤتمرات في الصالات والفنادق والحارات، إنه السيرك في هذه اللحظة آه لو يدق صاحب الملك باب القفص ليدرك لأول مرة في حياته أن النمر الجائع في عمان لم يعد يري أمامه سواه، وهو بين عظام أسلافه وجماجمهم لم يعد يغني أو يقول سوي عبارة واحدة لا تمثل لن أمثل بعد اليوم حذار حذار من جوعي ومن غضبي لأنني إذا ما مت آكل لحم مغتصبي، أيها السيد تقدم.. تقدم إن مفتاح السجن اليوم بيدي لا بيد غيري هيا تقدم أنت شخصياً من الأقفال.
ZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1951 Date 26/10/2004
جريدة (الزمان) --- العدد 1951 --- التاريخ 2004 - 10 -26